بحث متقدم
ترتيب حسب
فلترة حسب
تمتاز القصيدة المعاصرة بالجرأة في الانزياح عن الأطر القديمة، و تحاول إبداع نماذج ترقى إلى تأسيس حساسية شعرية جديدة، و تتخذ في سبيل ذلك تقنيات و آليات متعددة، و منها تلك التي تؤسس لبنية إيقاعية تتمرد على المعايير الموسيقية التقليدية بما فيها من الصرام ة في وحدة الوزن و القافية، و لا تستسلم لسطوة النموذج السائد، فتنتقل من مضمارها المعهود إلى ساحة تسيطر عليها جزئيات و تفاصيل دقيقة يستغل الشاعر مكوناتها في سبيل التخطيط لهندسة معمارية داخلية على علاقة وطيدة بالانفعالات النفسية، و الإيحاءات الدلالية، التي ترسم إحداثيات التوتر الإيقاعي المتناغم مع حركة النفس، و حركة الدلالات النصية، لذلك تتجه صوب حركة الداخل التي تنمو و تتطور بفعل التواصل و التفاعل بين معظم مكونات النص، و نسيج علاقاته، من هنا يأتي البحث الراهن ليتتبع العوامل و المكونات التي تسهم في التشكيل الإيقاعي بعيداً عن المكون الخارجي المتمثل في الوزن العروضي و القافية، و يتخذ (البحث) لنفسه تقنية التكرار الحرفي نموذجاً للتطبيق، ليكشف عن أحد جوانب الإيقاع الداخلي، و مدى فاعليته في تشكيل البنية الإيقاعية العامة للنص، و ارتباط ذلك بالبعد الدلالي، للوقوف على العلاقة العضوية بين الدلالة الإيقاعية و الدلالة اللغوية، و استجلاء التمثيل الصوتي للمعاني، و إسهامها في إنتاج حركة النص الإيقاعية.
يحاول البياتي في قصيدته "عذاب الحلاج" أن يستفيد من بعض تقنيات السرد، من منطلق أن السرد ليس سمة في القصة فقط، إنما هو سمة في الخطاب اللغوي بشكل عام، و نظام في الأداء اللغوي يمكن أن نلمحه في أكثر من جنس أدبي، بيد أن استثمار تقنيات السرد في النص الشعري يأتي عبر أشكال تختلف عن السرد الحكائي، لأن القصيدة تحافظ على مقوماتها في الإيقاع و التصوير و التخييل و غير ذلك... فهذه التقنيات تميل بالنص إلى النزعة الدرامية، إذ تتعدد الأصوات، و الشخصيات، و يظهر المتن الحكائي قاعدة أساسية يبني عليها الشاعر نصه، و يستمد منها أفكاره و رؤاه، و هو يستثمر الحدث التاريخي بما يستدعي من مقتضيات تكونه في سبيل كتابة إبداعية تنتج نصاً شعرياً نوعياً يكثف السرد الحكائي في بنية تناسب ضرورات الشعرية، من هنا تسهم البنى السردية في إنجاز النص الشعري ، لكنها لا تطغى عليه، و لا تظهر في شكل بارز ينال من هيبة القصيدة، مما يعني أنها تأتي في معرض العناصر المتممة أو المؤازرة لإبداع القصيدة و الارتقاء بها نحو فضاء جمالي أكثر انفتاحاً على أنماط الخطاب الأخرى.