بحث متقدم
ترتيب حسب
فلترة حسب
ينحو هذا البحث نحو القراءة النَّصِّيَّة المنقِّبة عن لطائف نصِّ الشَّنفرى، و أسراره الفنِّيَّة الَّتي غفل عنها الدَّارسون المنشغلون بالقصص و الأخبار و اللُّغة و ( الأيديولوجيا )؛ فقد داخلَ التَّأريخَ الأدبيَّ غيرُ قليلٍ من القَصص الشَّعبيِّ و الخرافا ت، و اهتمَّ اللُّغويُّون قديماً باللَّاميَّة شرحاً و إعراباً، و عرَّجت بعضُ الدِّراسات المعاصرة على مِزَقٍ منها، فأهدرت دمَ الشِّعريَّة في عروقها؛ إذ اكتفت بوصف أبعاضٍ من تجاوزاتها الفكريَّة. و هكذا بقيت اللَّاميَّة، بوصفها تحفةً فنِّيَّةً، أرضاً بكراً؛ فجاء هذا البحث لينقِّر فيها عن أسرار الجمال الفنِّيِّ، منطلقاً من البناء التَّقابُليِّ الإحاليِّ الَّذي ينتظم علاقات الحضور و الغياب فيها، انتهاء إلى ارتسام الشَّخصيَّة الشِّعريَّة لا التَّاريخيَّة في الأثر الشِّعريِّ؛ إذ يكشف عن التفاتات ( الأنا ) داخل نسيجها الواحد موقناً أنَّ الشِّعر خلقٌ، و ليس وصفاً بريئاً لمظاهر الطَّبيعة، و أحداث الدَّهر و شخوصه، و هو ليس وصفاً على أيَّة حال. إنَّه خلقٌ جديدٌ يوظِّف الطَّبيعة و غيرها لغاياته الفنِّيَّة.
يُناقِدُ هذا البحثُ نصّاً نقديّاً قديماً، ورد في (كتاب الأغاني) مشفوعاً بِسَنَدَين؛ إنَّه خبرٌ لِــ (مُصْعَب بن عبد الله الزُّبيريّ)، يقف فيه على شعر (عُمَرَ بن أبي ربيعـة) مبيِّناً منزلَته بين معاصريه و نظرائه. يصف البحث نصَّ (مصعب) مبيِّناً أسلوب ه، محلِّلاً عناصره، مفسِّراً مصطلحاته و آراءه النَّقديَّة، متوخِّياً تقرِّي دلالاته من خلال النَّظر في القرائن الشِّعريَّة التي يسوقها، انتهاءً إلى اكتناه الرُّؤية النَّقديَّة التي يصدر عنها بوصفها رؤيةً نقديَّةً رائدةً تمثِّل نهجاً طارفاً في التَّفكير النَّقديِّ عند العرب؛ ذلك أنَّ خبر (مصعب) أوَّل نصٍّ نقديٍّ عربيٍّ قديم يُجمِلُ وجهةَ نظر التَّلقِّي في مجمل تجربةٍ إبداعيَّةٍ؛ فلا يكتفي بالأحكام الانطباعيَّة التَّأثُّريَّة التي كانت سائدةً في عصره، و لا يكتفي بالبيت و البيتين و الثَّلاثة في الاستدلال على آرائه، كما جرت العادة، بل يقرأ مجمل نتاج عمر الشِّعريَ (ديوان عمر) بوصفه نصّاً واحداً، يُرَدِّدُ فيه نظره، و يجيل فيه عقله، محاولاً الكشف عن أسرار تميُّزه و تفوُّقه على نصوص معاصريه، و لعلَّه بذلك أوَّل نصٍّ نقديٍّ عربيٍّ يترسَّم (البصمةَ الأسلوبيَّة) الخاصَّة بمبدعٍ متفوِّقٍ، من خلال تفاعل المبدع و المتلقِّي في ساحة النَّصِّ.
يحاول هذا البحث الكشف عن جانب مهم في رؤية أبي تمام الشعرية التي جعلت الشعر وليد العقل, و هذا يعد تحولا مهما في مفهوم الشعر العربي الذي اتهم بأنه شعر غنائي يفتقر إلى الفكر.