تهدف الدراسة الحالية إلى التعرف على أوجه التماثل و الاختلاف في النظرة إلى القيم بين الاتجاهات الاجتماعية النظرية الرئيسة المعتمدة كأصول لبحث الموضوعات التي تثير اهتمام علم الاجتماع، و هي اتجاهات اتفقت من حيث المبدأ على إعطاء القيم طابعاً موضوعياً، و
اختلفت حول تفسيرها و فهمها و تغيرها، و للوقوف على ذلك سوف نحاول في الدراسة الحالية تقصي أوجه التشابه و الاختلاف في تفسير القيم و فهمها و تغيرها كما وردت على لسان المؤسسين الأوائل، الذين ارتبطت بهم هذه الاتجاهات و هم أميل دوركهايم صاحب الاتجاه الوظيفي، و واضع قواعد المنهج في علم الاجتماع، و كارل ماركس صاحب الفهم المادي للتاريخ و الحياة الاجتماعية، و ماكس فيبر مؤسس علم اجتماع الفهم، و رائد النموذج المثالي في التحليل الاجتماعي. إن الجهود التي بذلها المؤسسون لدراسة المشكلات و الظواهر الاجتماعية, و التي اعتمدت كأصول للبحث في علم الاجتماع, بوسع الباحث أن يستخلص من سياقها العام نظرتهم إلى القيم و أن يكشف النقاب عن الجانب الكامن في ثنايا دراساتهم حولها، بخاصة إذا عرفنا أن كلاً من الرواد الأول لم يسلط الضوء مباشرة على موضوع القيم.
استطاع (فان تيجم) و (فيكتور جيرمونسكي) في أعمالهما النقدية المقارنة ترسيخ معالم اتجاهين متقاربين نشأةً، و متباعدين إلى حد غير قليل منهجاً، و وسائل بحث . فالأول ممن ساروا على نهج (إبيل فيلمان) في النظر إلى العلاقات الأدبية الدولية نظرةً تاريخيةً سببية
ً أكيدة (النظرية التاريخية). و الثاني ممن نهجوا نهج النظرية النمطية (التيبولوجية)، متأثراً بطروحات (أ. فيسيلوفسكي) النقدية، المتأثر بالفلاسفة الألمان، بدءاً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فطرح مصطلح التشابه و الاختلاف بين الآداب، بوصفه نتيجةً لتشابهٍ أو اختلافٍ في حركة تطور المجتمعات و أحوالها.
إلا أن تباعدهما من حيث المبدأ، لم يلغ اتفاقهما في بعض القضايا الجزئية، و اختلافهما في مسائل أخرى. و هذا ما سيحاول البحث النظر إليه، مستعيناً بالاستقراء وسيلة لاستنباط الأحكام، التي أغفلها الدارسون و المهتمون، أملاً بإعطاء كل ذي حقٍ حقه، بحيادية و موضوعية، تعتمد نصوص كلٍ منهما.
سيتناول هذا البحث إمكانية المعرفة المباشرة بوصفها مقابلة للمعرفة غير المباشرة, و في كل من هاتين المعرفتين, على أية حال, سوف يكون هناك نوع من المواجهة وجهاً لوجه. و لذلك كان من المفترض دراسة تلك الثنائية, أو بكلمة أخرى مواجهة الهوة التي تقع بيني و بين
ذلك الشيء الذي يواجهني. فالغاية من هذه الدراسة إذن, هي البحث في طبيعة الموضوعية, و تفسير كل الغوامض الممكنة. و ستدرس هذه القضية – الموضوعية- في سياق مذهب التعالي الكانطي و فينومينولوجية كل من هسرل و ميرلوبونتي فقط. و سيركز هذا البحث على دراسة طبيعة الموضوعية من وجهة نظر فينومينولوجية, و خاصة من خلال تحليل بعض المفاهيم المبهمة, على سبيل المثال: مفهوم النومنن – الشيء بذاته – عند كانط, و النوئزيز و النوئيما و المضمون الهيولاني عند هسرل, و كذلك أيضاً, بعض المفاهيم مثل المرئي و اللامرئي و اللامس و الملموس عند ميرلوبونتي, و تسليط الضوء على أهمية هذه المفاهيم في تحديد و تشكيل مفهوم الموضوعية.